المدونة
الحاجة إلى الإصغاء
كم من المرّات انتابنا الشعور بأننا منفصلون عن الأشخاص الذين من حولنا؟ وكم من المرّات نشعر بأنّ المُحادثات التي نُجريها أقلّ عُمقاً ومعنىً؟ نتواصل عبر الرسائل النصيّة ونفترض بأن ذلك كافٍ. نُجري محادثات قصيرة وسريعة، وسط تشتّت أفكارنا بسبب الهواتف الخلويّة والأجهزة المختلفة. ومع مرور الوقت, قد نجد أنفسنا وحيدون حتى ونحن محاطون بالآخرين.
في عصر شبكات التواصل الاجتماعي، والتطوّر التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، نرى بأن كل شيء يتحرّك بسرعة مُذهلة, الأمر الذي يجعلنا نشعر بحاجة مُلحّة ودائمة لمواكبة إيقاع التغيُّرات. ونشعر بأننا بحاجة للتعلّم أكثر، ولإنجاز المزيد والمزيد, وذلك من أجل أن يكون بإمكاننا التأقلم مع التغيُّرات السريعة التي تحدُث من حولنا. إضافةً إلى ذلك, إنّنا محاطون بعدد لا نهائي من مصادر تشتيت الانتباه، الأمر الذي يُصعِّب علينا, إلى حدٍ كبير, أن نكون حاضرين فعلًا ، وأن نعيش اللّحظة ونتواصل مع الآخرين بشكلٍ حقيقي.
لذا, فعلينا أن نضع التباطؤ, واستثمارنا في أنفسنا وعلاقاتنا على سُلّم أولوياتنا. صحيح أنّ التكنولوجيا تجلب معها الكثير من الفوائد، إلّا أنه من المهم أن نتعلّم الموازنة, وأن نُفضّل قضاء وقت نوعي بعيداً عن الشاشات والمُشتِّتات, وذلك من أجل أن نخوض تفاعلات وتجارب إنسانيّة حقيقية وموجَّهة. نحن كائنات اجتماعية، ونزدهر عندما نتواصل مع بعضنا البعض, فذلك يُعزّز الشعور بالانتماء. بحيث أن التواصل والشعور بالانتماء لازمين من أجل الحفاظ على صحّتنا في المدى البعيد.
في هذه المُدوّنة، أود أن نترَكّز في مهارة واحدة قادرة على تحسين جميع مجالات حياتنا بشكلٍ جوهري: مهارةٌ يُمكنها أن تساهم في تحسين علاقاتنا وقدرتنا على القيادة والعمل مع الآخرين, وأن تساعد في حل النزاعات وحالات سوء الفهم. تُساهم هذه المهارة في أن نتواصل بشكل أفضل وأكثر تعاطفًا إتجاه الآخرين، وتمكّننا من تجسير الفجوات فيما بيننا وأن نتواصل بشكلٍ حقيقيّ. لنتعمّق معاً في قوة الإصغاء العميق.
مستويات الإصغاء الثلاثة
الإصغاء هو مهارة ضروريّة يتوجّب على كل مدرّب محترف امتلاكُها، وذلك لأنه يُشكّل أساساً يُمكّنهم من بناء سيرورة تدريب فعّالة وذات معنىً مع المتدرّب. فعلى المدرّب الجيّد أن يكون قادرًا على الإصغاء لما يُقال له بشكلٍ حقيقي، سواءاً كان بالكلمات أو بالرسائل غير المحكيّة التي تنعكس فيما وراء ما يًقال.
وفقًا لنموذج التدريب التفاعلي (Co-Active Coaching)، هنالك ثلاثة مستوياتٍ للإصغاء:
المستوى الأوّل من الإصغاء, هو عندما يكون تركيزنا الأساسي موجّهًا نحو أفكارنا, وليس نحو الشخص الآخر المتواجد أمامنا. بحيث ننشغل, دون أن قصد, بأفكارنا، ومشاعرنا، وآرائنا، وأحكامنا الشخصيّة تجاه الشخص أو الموقف الذي أمامنا. وفي الكثير من الأحيان تفوتنا أجزاء من المحادثة, بسبب أنّنا ببساطة نُركّز على ما نريد قوله لاحقًا. لذا, فإن الحوار الأساسي في هذا المستوى من الإصغاء يدور بيننا وبين أنفسنا وفي أذهاننا, ولا يرتكز على الإصغاء الحقيقي لما يحاول الشخص الآخر أن يقوله لنا. يستخدم معظم الناس هذا المستوى من الإصغاء عند إجراء محادثاتهم وتفاعلاتهم اليوميّة, ومن هنا ينبُع ضعف التواصل وسوء التفاهم إلى حدٍ كبير.
المستوى الثاني من الإصغاء يحدث عندما يتمحور كامل انتباهنا في الشخص الآخر. بحيث نكون مهتمّين بما يقوله أكثر من الاهتمام بأفكارنا الخاصّة. فعند الإصغاء بهذا المستوى، نلاحظ أن الأسئلة التي نطرحها والردود التي نعطيها تعكس اهتمامًا حقيقيًا و صادقًا بما يقوله الآخر.
في المستوى الثالث من الإصغاء، وكما في المستوى الثاني, يكون التركيز على المتحدّث. ولكننا هنا نخطوا خطوة إضافيّة, ونتركّز أيضاً بالرموز غير المحكيّة إضافةّ إلى الكلمات التي يقولها الآخر.
فننتبه للغة الجسد، نبرة الصوت، المشاعر التي تظهر عند التحدُّث، التوقّفات، لحظات السكوت والصمت.
عندما نُصغي للآخرين بالمستويين الثاني والثالث، يشعر الآخرون بأنهم مسموعون ومرئيون حقًا. الأمر الذي يقود بشكل تلقائي لمحادثات أكثر عمقًا، وصدقًا، وغنىً ومعنى, ويُنمّي التعاطف مع ما يقوله الآخر وتفهّمه.
إذاً, كيف نُصغي بشكلٍ أعمق؟
لكي يكون بإمكاننا ممارسة مستوىً عميقاً من الإصغاء, فإن المستويين الثاني والثالث يتطلّبان الاستمرار في إدارة ذاتنا وصبّ كل تركيزنا على المتحدّث, بحيث لا تدور أفكارنا حول أنفسنا, أو آرائِنا أو حول آرائِنا المسبقة. علينا أن نعيد انتباهنا مرارًا إلى الشخص المقابل لنا, وإلى الرسائل التي يرغب في تمريرها وأن نعطيه المساحة للحديث، في المقابل يتوجّب علينا أيضاً أن نكون فضوليين وبعيدين عن إصدار الأحكام. إضافةً إلى ذلك, من المهم أيضاً أن نعتمد على حدسنا أثناء الإصغاء للآخر, الأمر الذي بإمكانه أن يساعدنا على التقاط الإشارات والرموز غير المحكيّة أثناء الحديث.
بعضاً من الإشارات غير المحكيّة قد تظهرعلى شكل تغيُّر في نبرة صوت المتحدّث, وهو ما يعكس مشاعره. رموز غير محكيّة أخرى تتضمّن التوقّف عن الحديث, الصمت، أو الاستراحات عند التكلّم. الانتباه للغة الجسد ولتعابير الوجه هما أمرين شديدي الأهميّة لضمان الفهم والإصغاء العميق. مثال على ذلك: في بعض الأحيان يقول شخص شيئاً ما كلاميّاً, ولكنّه يبُث العكس من خلال جسده. كثيراً ما يحدث هذا الأمر في سياق الوالديّة والتربية. فمن الممكن أن يستشعر الأهل بأن هنالك خطبٌ ما يتعلّق بابنهم, عندما يتصرّف بشكل غير اعتيادي. ولكن عندما يسألونه عمّا إذا كان كل شئ على ما يُرام, فإن الابن من الممكن أن يجيب بنعم من أجل تهدءتهم; على الرغم من تأكّد الأهل بأن الأمر ليس كذلك. يكون هنالك أحياناً تناقضاً بين الكلمات الملفوظة وبين الرسائل غير المحكيّة, ومثال الوالديّة يُجسّد مدى أهميّة الاعتماد على حدسنا وعلى تمييز الرموز غير المحكيّة, والتي من شأنها أن تُلفت انتباهنا لما يجري فعليّاً ولما يحاول الآخرين قوله بما يتجاوز الكلمات.
لِنُجرّب بأنفسنا
أدعوكم خلال الشهر الحالي, لتحدّي أنفسكم واختيار نشاط تفاعلي واحد يوميًا, والذي تمارسون من خلاله الإصغاء العميق في محادثاتكم. انتبهوا لما يحدث عندما تقومون بذلك: انتبهوا لأبعاد ذلك عليكم وعلى محادثاتكم, ولكيفيّة تأثيره على الشخص المقابل لكم, وعلى علاقتكم به. لاحظوا إلى ماذا يُمكنكم أيضاً الانتباه عند ممارسة الإصغاء العميق؟ وما يحدث نتيجة تحويل تركيزكم من أفكاركم ومعتقداتكم إلى الشخص الذين تُجرون معه المحادثة؟
للتلخيص، يحتاج النّاس لأن يُصغى إليهم, الأمر الذي يجعلهم يشعرون بأنهم مرئيون، ومفهومون، وذوو قيمة. إنها حاجة إنسانيّة أساسيّة, نبحث عنها ونطمح إليها جميعاً. لذا, فامنحوا أنفسكم فرصة لممارسة وتطوير هذه المهارة الحيويّة، فهي قادرة على إحداث تأثير عميق في جميع مجالات حياتكم.
مع التقدير،
رشا عفيفي -تلي
CPCC, ORSC - مدرّبة إداريين
