المدونة
من الفوضى إلى الهدوء
كيف نكون متخذي قرارات أفضل في أوقات الأزمات
ضمن كل ما يحدث خلال السنوات الأخيرة، وخاصةً في الأشهر الأخيرة، هل لاحظتم مدى أهميّة التفكير بوضوح أثناء الأزمات؟ وكم من المهم أن نجد الهدوء، وأن نحلّل الموقف بوضوح، والاستناد إلى حقائق من أجل اتخاذ قرارات أفضل؟
استمعتُ مؤخرًا إلى حلقة من برنامج ABtalks مع محمد جودت بعنوان "الهدوء خلال الأزمات". كان العنوان بحد ذاته مُثيراً للغاية، لأنني على يقين بأن الكثيرين منا نطمح لتواجد الهدوء في حياتنا بشكلٍ أكبر. هناك فرضيّة شائعة بأنّ الحفاظ على الهدوء في وقت الأزمات هي قدرة إما أن نمتلكها أو لا. لكن بحسب جودت, الرئيس التنفيذي السابق للأعمال في Google، ومؤلف كتب من الأكثر مبيعًا، وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي والسعادة، فإن الحفاظ على الهدوء في أوقات الأزمات هو مهارة بإمكاننا تنميَتها.
بعد التعمُّق أكثر في هذا الموضوع، أود مشاركتكم بمعلومات أساسيّة وقيّمة يُمكن أن تساعدنا على فهم ما يحدث فعليًا لجسم الإنسان أثناء الأزمة، وكيف يمكن تحقيق قدر أكبر من الوضوح واتخاذ قرارات أفضل في الأوقات الصعبة.
كيف يستجيب الجسم أثناء الأزمة
لحظة الأزمة، هي عندما نشعر بأن الخطر قريب، ممّا يُفعّل لدينا ردّة فعل "البقاء". فهي تنشّط الجهاز العصبي من خلال ملء الجسم بهرمونات التوتّر، مثل الكورتيزول والأدرينالين. يُثير الكورتيزول مشاعر القلق والخوف والاضطراب أو الهلع وذلك من أجل تنبيهنا بأن هنالك خطرٌ قريب، في حين أنّ الأدرينالين يهيّئ الجسم إما للقتال أو للهروب، لكي تكون لدينا فرصة للنجاة من الخطر. من المهم أن نعرف بأنّه عندما تُفعّل استجابة التوتّر لدينا، يتعطّل عمل القشرة الأماميّة للجبهة وتعمل بشكلٍ أبطأ. إنّها المنطقة المسؤولة عن التفكير المنطقي، وتقدير الخيارات، وتحليل المواقف، واتخاذ القرارات. فبدلًا من ذلك، ينتقل الدماغ إلى تفعيل عقليّة البقاء، وبالتالي يعتمد على الأفعال والسلوكيّات المعتادة. وهذا يعني أنه إذا طوّرنا عادات يوميّة ونمط حياة إيجابي، مثل ممارسة الرياضة، وتناول الطعام الصحي، والتدوين، فإن هذه العادات تتعزّز أثناء الأزمة. بحيث نعتمد عليها بشكل أكبر لكي تساعدنا على التعامل مع التحديات التي تواجهنا. والعكس صحيح أيضًا؛ فإذا كانت لدينا عادات وأنماط حياة يوميّة سلبية، مثل المشاهدة المفرطة للشاشات أو الإفراط في الأكل، فإنها تتضخم أثناء الأزمة فنعتمد عليها بشكل اكبر من أجل ألتعامل مع الأوقات الصعبة.
من المهم جداً الفهم بأن الجهاز العصبي البشري صُمّم ليُبقينا يقظين ومنتبهين للخطر، كي يمنحنا أفضل فرصة من أجل الحفاظ على حياتنا. لذلك، فإن دماغنا يعمل على مسح محيطنا باستمرار بحثًا عن علامات تهديد. ممّا يعني بأن الدماغ يسلّط الضوء على السلبيات أكثر من الإيجابيات، حتى لا يفوّت موقفًا قد يكون خطيرًا بالقرب منا. في بدايات البشرية، كانت الحياة مختلفة تمامًا عمّا هي عليه اليوم. فقد كان الخطر ثابتاً، حقيقيًا وقريبًا؛ سواء كان مرضًا، أو جوعًا، أو حيوانات مفترسة كبيرة، أو نقصًا في المأوى، وغير ذلك. لذا فإنّ الاستجابة السريعة والفورية في لحظة الخطر كانت ضروريّة من أجل بقاء الإنسان على قيد الحياة.
أما اليوم، فإن الأمر مختلف. ما زالت تواجهنا المخاطر، ولكننا في الغالب نتعرّض لمعلومات تُدخلنا في حالة توتّر حتّى عندما لا يكون هناك تهديد حقيقي. قراءة الأخبار، أو التصفح في وسائل التواصل الاجتماعي، أو تلّقي رسالة أو بريد إلكتروني ذي مضمون سيء، قد يّفعّل استجابة التوتّر لدينا على الرغم من أنه ليس هنالك ما يُشكّل خطرًا حقيقيًا علينا. هذا يعني بأننا نشعر بالتوتّر حتى عندما لا تكون هناك حاجة لذلك.
وفقًا للأبحاث العلميّة، فإن التدفّق الكيميائي لردّة فعل التوتر يستمر في أجسامنا لفترة قصيرة فقط، من ثوانٍ إلى بضع دقائق، ويُفترض بعد ذلك أن يهدأ الجسم. لكن أفكارنا غالباً ما تعيق ذلك وتُبقينا في حالة توتر لفترات أطول. فالقصص التي نرويها لأنفسنا قد تجعلنا نخلط ما بين الخطر الحقيقي والخطر الوهمي، وتُبقينا في توترٍ مُستدام. ويؤدي هذا إلى الاستمرار في تشويش تفكيرنا, ويمنعنا من اتخاذ قرارات منطقية ومبنية على معلومات حقيقيّة.
لاحظوا كم من قراراتنا اليوميّة تُتخذ بدافع التوتر والخوف أكثر من الهدوء والوضوح والحقائق الواقعيّة.
تقنيات يمكن أن تساعد على تهدئة الجهاز العصبي
إليكم 3 تقنيات يمكنها أن تساعد الجسم على الانتقال من ردّة فعل التوتر إلى وضعيّة الراحة.
أبطِئوا تنفّسكم
خذوا شهيقًا مع العد حتى 4، احبسوا النفَس مع العد حتى 2، ثم ازفروا مع العد حتى 6. جرّبوا ذلك لبضع دقائق إلى أن تلاحظوا بأن أجسامكم بدأت تهدأ.
تقنيّة 5-4-3-2-1
انظروا من حولكم وعدّدوا 5 أشياء ترونها، و4 أشياء يمكنكم لمسها، و3 أشياء تسمعونها، وشيئين يمكنكم شمّهما، وشيئًا واحدًا بإمكانكم تذوقه. عند إعادة انتباهكم إلى حواسكم الخمس، فإنكم تقومون بإرسال رسالة قوية إلى الدماغ بأنكم آمنون في هذه اللحظة.
الماء البارد
قوموا بِرِشّ ماء بارد جدًا على وجوهكم مرتين إلى ثلاث مرات، واحرصوا على غمر منطقة الجبهة والعينين. يشبه ذلك الضغط على مكابح ردّة فعل التوتر، بحيث أن الماء البارد على الوجه يِساعد في تهدئة الجهاز العصبي. فهو يفعّل آلية بيولوجية للبقاء والتي تساعد على خفض معدل نبض القلب، وتثبيط التنفّس، وإعادة تنظيم تدفق الدم، وتقليل هرمونات التوتّر.
لنتحدث عن المشاعر
بحسب جودت، تشمل المشاعر التي نشعر بها عادةً أثناء الأزمات الخوف، والهلع، والقلق، والقلق المُفرط. وقد وجدتُ أن تعريفه لكل واحد من هذه المشاعر، وتحديد الفروق فيما بينها، مثيرًا للاهتمام للغاية. كانت هذه زاوية نظر جديدة لهذه المشاعر وللاحتياجات الكامنة وراءها. لذا، فدعونا نتعمّق أكثر في كل واحد منها.
الخوف هو اليقين بوجود تهديد في المستقبل. للتعامل مع الخوف، يُوصى بأن نسمح لأنفسنا بالإبطاء والتنّفس من أجل تهدئة جهازنا العصبي، وباللحظة التي نشعر بها بأننا قادرون على التفكير بوضوح، نضع خطّة لإدارة التهديد المستقبلي أو للحد منه بشكلٍ فعّال.
القلق هو عند الشك في وجود تهديد مستقبلي ولكن دون تأكيد لذلك. فالقلق هو مشكلة تتعلّق بعدم اليقين، حيث نتأرجح باستمرار بين الشعور بالأمان وعدم الأمان. ولإيقافه، يُقترح أن نتحقق ممّا إذا كان التهديد حقيقيًا من خلال فحص الحقائق. فإذا كان التهديد حقيقيًا تعاملنا معه، وإذا لم يكن كذلك فعلينا تركه.
الهلع هو عندما نعتقد بأن التهديد مؤكّد وقريب جدًا. إنها بالأساس مشكلة وقت، أي أنه يُفعَّل بسبب اعتقادنا بأنّه لم يتبقَّ لدينا وقت للعمل من أجل مواجهة التهديد. للتعامل مع الهلع، يُنصح بإعادة ضبط الوقت لدينا من خلال السماح لأنفسنا بالتوقّف، وأخذ لحظة لإبطاء التنفس، من أجل التفكير بشكل منطقي وإعادة تقييم الوضع، أو محاولة تنفيذ خطواتنا بسرعة أكبر.
القلق المُفرط هو الاعتقاد بوجود تهديد مع الشعور بأننا عاجزين عن التعامل معه. نخلط غالبًا ما بينه وبين الخوف، الأمر الذي يدفعنا إلى التركيزعلى أسوأ السيناريوهات، ما يؤدي في النهاية إلى زيادة شعورنا بالعجز. لذلك، من أجل معالجة القلق المفرط، علينا أن نُحوّل تركيزنا من التهديدات الخارجية إلى زيادة معرفتنا ومهاراتنا ومواردنا، حتى نكون أكثر استعدادًا وجاهزيّة وثقة بقدرتنا على التعامل مع التهديد.
الخلاصة
أن نكون هادئين أثناء الأزمة يعني بأننا نستطيع التعامل مع التوتر، وفهم مشاعرنا، والسماح لأجسامنا بالاسترخاء دون أن نزيد توترنا من خلال الإفراط في التفكير. وبما أنه من المفترض أن يستمر التوتر في أجسامنا لفترة قصيرة فقط ، فبالإمكان استخدام تمارين التنفس لمساعدتنا على اجتيازه. بعد أن نهدأ، يمكننا فحص الشعور الذي ينتابنا، وتسميته، وفهم ما نحتاجه حقاً. ومع التفكير الواضح، يمكننا اختيار الخطوات الصحيحة من أجل حلّ الموقف.
من المهم أن نتذكّر بأن التغيير لا يحدث بشكل فوري؛ إنّما يأتي من النيّة الحقيقيّة لإحداث التغيير، ومن بناء الوعي الذاتي عبر الفضول والتأمل في سلوكياتنا، وممارساتنا اليوميّة, والتدرّب بشكل مستمر على الأدوات والتقنيّات التي تقودنا إلى التغيير الذي نرغبه.
أدعوكم الآن إلى التوقف للحظة والالتزام بتجربة تقنيّة واحدة اليوم. ابدأوا بالتنفّس، أو افحصوا عاداتكم، وطبّقوا فعليًا ما قد تعلمتموه. لاحظوا أي أثر عليكم أو تغيير، شاركوه مع الآخرين، وقوموا بتشجيعهم على القيام بالمثل. لنبنِ معًا مزيدًا من الهدوء والوضوح في بيئاتنا الشخصيّة والمهنيّة.
مع خالص التقدير،
رشا عفيفي-تلّي
مدربة إداريين
CPCC, ORSC
